اشترِ الآن وادفع لاحقًا: حل ذكي أم مخاطرة مالية متزايدة في مصر؟ …تقرير

إعداد / د. محمود محمد عبدالحليم

اشترِ الآن وادفع لاحقًا: حلٌّ ذكي أم مخاطرة مالية متزايدة في مصر؟

“اشترِ دلوقتي وادفع براحتك”، عبارة رنانة انتشرت في مصر بشكل واسع في السنوات الأخيرة، وجذبت كثيرًا من المستهلكين لشراء احتياجاتهم الأساسية؛ فبعد أن كانت الخدمة تقتصر على الجهات المصرفية، مثل البنوك التي تحتاج إلى إجراءات مطوَّلة للموافقة على التقسيط، جاءت تطبيقات (BNPL) بوصفها حلًا رقميًا ماليًا يتيح التقسيط الفوري بلمسة شاشة، ليحدث نقلة نوعية في عالم الدفع الآجل في مصر.

وكانت انطلاقة هذا النوع من التطبيقات في مصر في عام ٢٠١٧، و(BNPL) تخضع لرقابة مالية دقيقة من الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر، وتُعدُّ جزءًا من التمويل غير المصرفي تحت مظلة كلٍ من التمويل الاستهلاكي والتكنولوجيا المالية، ووفقًا لضوابط حقوق المستهلك تلتزم بالشفافية، والإفصاح الكامل عن الفوائد والمصروفات.

وتتيح (BNPL) أنظمة سداد مختلفة على دفعات تصل لسنوات، فهي غير مرتبطة بحد أدنى لثمن السلعة، وتتيح تنوعًا واسعًا في أنواع السلع الاستهلاكية التي يمكن للشخص تقسيطها، حتى لو كانت “تورتة” لحفلة عيد ميلاد.

التمويل الاستهلاكي والتكنولوجيا المالية

التكنولوجيا المالية تعد تقنية مبتكرة اعتمدتها الجهات المصرفية لتطوير خدماتها، بالاعتماد على الحلول البرمجية، ومنها خدمات (BNPL)، وتُعدُّ نتاجًا لدمج التكنولوجيا بالخدمات المالية، وتعتمد بشكل كامل على البنية الرقمية المطورة؛ وللربط الفوري بين المستهلك والمتجر تعتمد واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، وقد غيرَّت تلك الأنظمة من طبيعة الخدمات المالية التقليدية إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في التحليل اللحظي للبيانات الائتمانية، كما تستند إلى الحوسبة السحابية لضمان أمن البيانات وسرعة تنفيذ خدمات الائتمان.

وقد ارتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية في مصر لأكثر من 170 شركة تقدم مجموعة واسعة من الخدمات المالية؛ تتنوع ما بين الاقتراض والتمويل والمدفوعات، ويُتوقع أن يصل سوق  “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” (BNPL) في مصر إلى حوالي 5.8 مليار دولار بحلول عام 2028، مما يعكس الطلب القوي على الائتمان قصير الأجل، ويؤكد أن صعود خدمات (BNPL) يرتبط بشكل وثيق بالتوسع في التكنولوجيا المالية.

 تنامي حجم التمويل الاستهلاكي بسرعة

بحسب التقارير الإحصائية للهيئة العامة للرقابة المالية في مصر، ارتفع عدد مستخدمي الخدمة، ليتجاوز عدد 9 ملايين مستخدم خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، ما يعادل زيادة قدرها 180% خلال الفترة نفسها للعام السابق، بينما بلغ حجم التمويل الاستهلاكي ما يقارب 74.9 مليار جنيه مصري، ما يعادل زيادة بنحو 58% في قيمة التمويل، مقارنة بمستويات عام 2024.

وقد جذبت هذه الخدمة مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، كما هو الحال في مصر، وبلغت القيمة السوقية لتلك الخدمات مئات المليارات من الدولارات، ويتوقع زيادة النمو عالميًا، وتتصدر الدول الأوروبية معاملات التجارة الإلكترونية التي تستخدم (BNPL)، وفقًا لتقرير المدفوعات العالمية لعام 2025، بنسبة 8% في عام 2024.

ومن أسباب انتشار تلك الخدمة، التي تعد تطورًا رقميًا للتقسيط التقليدي، سهولة الإجراءات، والسرعة؛ ففي حين أن التقسيط العادي يتطلب أوراقًا دقيقة ووقتًا طويلًا، فإن (BNPL) على النقيض، فهي خدمة رقمية بالكامل، فالموافقة لا تستغرق إلا دقائق، أما الفوائد فإن (BNPL) تقدم عروض تقسيط دون فوائد أو مصروفات إدارية، على عكس التقليدي الذي تعد الفوائد جزءًا أساسيًا منه، إضافة للمصاريف الإدارية، ويستهدف (BNPL) المبالغ الصغيرة والمتوسطة ويُقدَّم عبر شركات تكنولوجيا مالية، على عكس التقليدي، الذي يُقدَّم عبر البنوك وشركات التمويل التقليدية.

المخاطر الخفية

رغم المزايا التي تتمتع بها خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” (BNPL)، فإنها لا تخلو من المخاطر، فباطن الميزات التي تجعلها جذابة؛ مثل الراحة، واليُسر في الاستخدام، وقلة العوائق، قد يؤدي، دون أن يشعر المستخدم، إلى الإفراط في استخدامها، مما قد يؤدي إلى انتشار ظاهرة الشراء الاندفاعي، وإرهاق الدخل الشهري، الذي يأتي نتيجة لتراكم الأقساط.

إضافة إلى ذلك، تظهر أعباء إضافية؛ مثل زيادة رسوم التأخير، أو الغرامات، ومخاطر مالية أخرى. ويرى عدد من المستخدمين أن تلك الخدمات قد تسبب لهم ضغوطًا مالية جديدة إذا لم يحسنوا استخدامها.

التخطيط قبل الشراء هو مفتاح الأمان

من الجوانب الإيجابية للاستفادة من هذه الخدمة أن يتمتع المستهلكون بالقدرة على التخطيط المُسبَّق لمشترياتهم، وألا يتخذوا قرار الشراء إلا بعد مقارنة الأسعار، وحساب قيمة القسط الشهري، وتحقيق الاستفادة القصوى من الخدمة التي توفر للمستخدمين القدرة على إدارة تكاليف المدفوعات على مدار فترة زمنية دون التخلي عن المشتريات الضرورية.

وبناء على هذا الطرح، يرى عديد من المستهلكين أنها توفر لهم المرونة، وسهولة الوصول، والسرعة في تلبية احتياجاتهم، ويعتقدون أن تأثيرها يعتمد على كيفية استخدامها، من خلال فهم شروط وسياسات التعامل مع تلك الخدمات من جانب، وتقييم القدرة المالية، وتجنب الالتزامات غير الضرورية من جانب آخر.

الوعي والمسؤولية وترشيد الاستخدام

في النهاية، أعادت خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” تشكيل النماذج المالية التقليدية بنماذج تتمتع بالراحة والسرعة وتلبية احتياجات الفرد دون تعقيد، ولكن لا يمكن اعتبارها حلًا مستدامًا، أو تصنيفها مصدرًا للضغط المالي على المستهلكين.

ولأن خدمات التمويل الاستهلاكي ليست ظاهرة مؤقتة، بل هي توجه عالمي متنامٍ للحصول على الائتمان، لذا ينبغي ألا يكون الدافع وراء استخدامها هو الراحة فقط، بل يجب أن يكون مبنيًا على دراسة متأنية للاحتياجات والقدرات المالية، والوعي وفهم شروط وسياسات التعامل مع تلك الخدمات.