اشتر الآن وادفع لاحقاً
اشترِ الآن وادفع لاحقًا: حل ذكي أم مخاطرة مالية متزايدة في مصر؟
"اشترِ دلوقتي وادفع براحتك"، عبارة رنانة انتشرت في مصر بشكل واسع في السنوات الأخيرة، وجذبت العديد من المستهلكين للشراء لاحتياجاتهم الأساسية، فبعد أن كانت الخدمة تقتصر على الجهات المصرفية مثل البنوك والشركات التي تتيح تقسيط سلع كبيرة مثل السيارات والعقارات والأجهزة المعمرة وكانت تحتاج إلى إجراءات مطولة للحصول على الموافقة، جاءت التطبيقات الرقمية للشركات في السنوات الأخيرة لتحدث نقلة نوعية في عالم الدفع الآجل.حيث تسمح تلك الخدمة بشراء المنتجات الاستهلاكية فورًا بضغطة زر واحدة على الهاتف الذكي، وسداد المبلغ على دفعات تصل لسنتين وأكثر، فهي غير مرتبطة بحد أدنى لثمن السلعة، وتتيح تنوعًا واسعًا في أنواع السلع التي يمكن للشخص تقسيطها، حتى لو كانت "تورتة" لحفلة عيد ميلاد.
التمويل الاستهلاكي والتكنولوجيا المالية
ارتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية في مصر لأكثر من 170 شركة تقدم مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرقمية في السنوات الأخيرة، والتي تخضع لرقابة البنك المركزي المصري، حيث تتنوع ما بين الاقتراض والتمويل والمدفوعات. وتشير التوقعات إلى أن سوق خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL) في مصر قد يصل إلى حوالي 5.8 مليار دولار بحلول عام 2028،[1] مما يعكس الطلب القوي على الائتمان قصير الأجل، ويؤكد أن صعود خدمات BNPL يرتبط بشكل وثيق بالتوسع في التكنولوجيا المالية.فمن واقع الأمر، تتيح منصات التكنولوجيا المالية عمليات مبسطة، وتعد "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL) خدمة سريعة تدمج بين تطبيقات الهاتف المحمول ومنصات التجارة الإلكترونية، وتوفر للمستخدمين القدرة على إتمام عملية الشراء فورًا، دون أي التزام مالي مباشر، وهو ما دفع شريحة كبيرة، وخاصة الشباب، إلى الاعتماد عليها كحل بديل في عملية الشراء، فقد أصبحت (BNPL) جزءًا لا يتجزأ من النظام المالي المصري.
بحسب التقارير الإحصائية للهيئة العامة للرقابة المالية في مصر، ارتفع عدد مستخدمي خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" في مصر، ليتجاوز عدد 9 ملايين مستخدم خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، ما يعادل زيادة قدرها 180% خلال نفس الفترة، بينما بلغ حجم التمويل الاستهلاكي ما يقارب 74.9 مليار جنيه مصري، ما يعادل زيادة بنحو 58% في قيمة التمويل مقارنة بمستويات عام 2024.[1]فقد جذبت خدمات BNPL مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، كما هو الحال في مصر، وبلغت القيمة السوقية لتلك الخدمات مئات المليارات من الدولارات، ويتوقع زيادة النمو عالميًا، وتتصدر الدول الأوروبية معاملات التجارة الإلكترونية التي تستخدم (BNPL)، وفقًا لتقرير المدفوعات العالمية لعام 2025 بنسبة 8% في عام 2024. [2]
المخاطر الخفية
رغم المزايا التي تتمتع بها خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL)، إلا أنها لا تخلو من المخاطر، فباطن الميزات التي تجعلها جذابة، مثل الراحة واليسر في الاستخدام وقلة العوائق، قد يؤدي، دون أن يشعر المستخدم، إلى الإفراط في استخدامها، مما قد يؤدي إلى انتشار ظاهرة الشراء الاندفاعي، كما يزيد ذلك إرهاق الدخل الشهري بسرعة، والذي قد يأتي نتيجة لتراكم الأقساط.بالإضافة إلى ذلك، تظهر أعباء إضافية مثل زيادة رسوم التأخير أو الغرامات، أو حتى أن يتم حظر الشخص من التقسيط مستقبلًا نظرًا لتعثره في السداد، ومخاطر مالية أخرى، نظرًا لارتباط تلك الخدمات بالجهات المصرفية الرسمية للدولة.حيث يرى عدد من المستخدمين أن تلك الخدمات قد تسبب لهم ضغوطًا مالية جديدة إذا لم يحسنوا استخدامها وينظموا مشترياتهم بحكمة.
التخطيط قبل الشراء هو مفتاح الأمان
ويظل من الجوانب الإيجابية في مصر، أن نسبة كبيرة من المستهلكين المصريين يخططون لمشترياتهم مسبقًا، ويتخذون قرار الشراء بعد مقارنة الأسعار،[1] وكذلك مع قيمة القسط الشهري، فالشركات من جانب آخر تتعامل بنظام ذكي، حيث توفر للمستخدمين القدرة على إدارة تكاليف المدفوعات على مدار فترة زمنية دون التخلي عن المشتريات الضرورية.ويمكن وصف "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL) على أنها طريقة لإدارة الشؤون المالية، وليست مجرد وسيلة لتسهيل الإنفاق.حيث يرى العديد من المستهلكين أنها توفر لهم المرونة وسهولة الوصول والسرعة في تلبية احتياجاتهم، لا سيما في ظل اقتصاد يشهد تحولًا رقميًا سريعًا، فخدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL) ليست مفيدة بطبيعتها، وليست ضارة بطبيعتها، بل هي وسيلة للتعاملات المالية، ويعتمد تأثيرها على كيفية استخدامها، من خلال فهم شروط وسياسات التعامل مع تلك الخدمات من جانب وأيضًا تقييم القدرة المالية، مع تجنب الالتزامات غير الضرورية
الوعي والمسؤولية وترشيد الاستخدام
في النهاية، أعادت خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" تشكيل النماذج المالية التقليدية بنماذج تتمتع بالراحة والسرعة وتلبية احتياجات الفرد دون تعقيد، ولكن لا يمكن اعتبارها حلًا مستدامًا، كما لا يمكن تصنيفها كمصدر للضغط المالي على المستهلكين.وحيث إن خدمات التمويل الاستهلاكي ليست ظاهرة مؤقتة، بل هي توجه عالمي متنامٍ في كيفية حصول المستخدمين على الائتمان، لذا ينبغي ألا يكون الدافع وراء استخدامها هو الراحة فقط، بل يجب أن يكون مبنيًا على دراسة متأنية للاحتياجات الفعلية والقدرات المالية، وكذلك الوعي وفهم شروط وسياسات التعامل مع تلك الخدمات.